الراغب الأصفهاني

653

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

رشحك غذاؤه وارع حمى أكنك « 1 » فناؤه وقيل : ميلك إلى بلدك من شرف محتدك . حبّ مسقط الرأس وصعوبة مفارقته قال حفص الطائي : رأيت جارية تقود عنزا فقلت : يا جارية أيّ البلاد أحب إليك ؟ فقالت : أحبّ بلاد اللّه ما بين منعج * إليّ ، وسلمي إن تصوب سحابها بلاد بها نيطت عليّ تمائمي * وأول أرض مسّ جلدي ترابها « 2 » وقال ابن الرومي : ولي وطن آليت أن لا أبيعه * ولا أن أرى غيري له الدهر مالكا « 3 » عهدت به شرخ الشباب ونعمة * كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا « 4 » فقد ألفته النفس حتّى كأنّه * لها جسدان بأن غودر هالكا وحبّب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصّبا فيها فحنوا لذلكا وقال آخر : وكلّ نفس تحبّ محياها وكفى بدلالة محبته قول اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ « 5 » الآية وقال الشريف الموسوي : وفي الوطن المألوف للنّاس لذة * وإن لم ينلنا العزّ إلا التقلب المستشفي بتراب أرضه وريحها لما أسر سابور « 6 » ببلد الروم قالت له بنت الملك ، وكان قد مرض وعشقته ، ما تشتهي ؟ قال : شربة من ماء دجلة وشمّة من تراب إصطخر « 7 » . فحملا إليه فبرأ . واعتلّ أعرابي فقيل له : ما تشتهي ؟ قال : حسل « 8 » فلاة وحسي قلاة . وكان من عادة العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تراب بلدها فتنشقه عند نزلة أو صداع . من تشوّق مكان إلفه بعد ما كرهه قال بعضهم : ألفنا ديارا لم تكن من ديارنا * ومن يتألف بالكرامة يألف

--> ( 1 ) أكنّك : سترك . ( 2 ) نيطت تمائمي : علقت والتمائم جمع تميمة ، وهي الحرز أو التعويذة التي تعلّق لدفع الروح الشريرة . ( 3 ) آليت : أقسمت وأخذت عهدا . ( 4 ) شرخ الشباب : ريعانه وأوّله . ( 5 ) القرآن الكريم : النساء / 65 . ( 6 ) سابور : من ملوك الفرس . ( 7 ) اططخر : مدينة في إيران . ( 8 ) الحسل : ولد الضبّ .